ابن عجيبة
370
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
واتبع سبيل من أناب إلىّ ، هو شيخ التربية في علم الإشارة . وقد تقدم قول الجنيد : أمرني أبى بشئ ، وأمرني السّرى بشئ ، فقدمت أمر السّرى ، فرأيت سرا كبيرا . وكان شيخ شيوخنا الولي الشهير ، سيدي يوسف الفاسي ، يأتيه شاب من أولاد كبراء فاس ، وكان أبوه ينهاه ويزجره عن صحبته ، وربما بلغ لمجلس الشيخ فيؤذيه ، فكان الشيخ يقول للشاب : أطع أباك في كل شئ إلا في الإتيان إلينا . ه . وكان بعض المشايخ يقول : ائتوني ولو بسخط الوالدين ؛ إذ لا يضره ذلك ، حيث قصد إصلاح نفسه ودواءها . وقال الشيخ السنوسي ، في شرح عقائد الجزائري ، ما نصه : وحاصل الأمر في النفس : أنها شبيهة ، في حالها ، بحال الكافر الحربىّ ، الذي يريد أن تكون كلمة الكفر هي العليا ، وكلمة التوحيد السفلى ، وكذلك النفس ؛ تريد أن تكون كلمة باطلها من الدعاوى للحظوظ العاجلة ، المشغلة عن إخلاص العبودية لمولانا جل وعلا ، وعن القيام بوظائف تكاليفه ، على الوجه الذي أمر به ، هي العليا ، النافذ أمرها ونهيها في مدن الأجسام وما تعلق بها ، بعد أن نزلت ساحة الأبدان ، واتصلت اتصالا عظيما لا انفكاك له إلا بالموت ، فوجب ، لذلك ، على كل مؤمن يعظّم حرمات اللّه تعالى أن ينهض كل النهوض ، بغاية قواه العلمية والعملية ، لجهادها وقتالها . وفي مثل هذا القتال الذي نزل العدو فيه بساحة الأبدان ، وهو فرض عين على كل مؤمن ، يسقط فيه استئذان الأبوين وغيرهما . ه . فأنت ترى كيف جعل قيام النفس على العبد ، وحجابها له عن ربه ، كعدو يجب جهاده ولو خالف الوالدين ، وهو كذلك ؛ إذ طاعة الوالدين لا تكون في ترك فرض ، ولا في ارتكاب معصية ، ومن جملة المعاصي ، عند الخواص ، رؤية النفس والوقوف معها ، وفي ذلك يقول الشاعر : فقلت : وما ذنبي ؟ فقالت ؛ مجيبة * : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب وتطهير النفس فرض عين ، ولا طاعة للوالدين في فرض العين . وقوله تعالى : ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) قال الورتجبي : المعروف ، هاهنا ، أن تعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما باللّه . وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ، نهاه عن متابعة المخلّطين ، وحثه على متابعة المنيبين . ه . وباللّه التوفيق . ثم قال لقمان في وصيته : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 16 إلى 19 ] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 )